قصيدةُ "الهايكو Haiko"
خمسةُ نصوصٍ.. مثالًا!
بقلم
صاحب ساجت
................
١٦ فبراير
·
تحية ٌ طيبةٌ...
قصيدةُ "الهايكو Haiko"
خمسةُ نصوصٍ.. مثالًا!
تقديم:-
قصيدةٌ صغيرةٌ، تعبّرُ عن لحظةِ اِنبهارٍ في الحياة أو الطبيعة، بمشاهدة حسيّة/بصريّة/موسميَّةٍ
و بحسب ذوبان الشاعر و قنصه للحظةٍ مشهدية، تتكون من ثلاثة أسطر:
- الأول.. وصفٌ للمشهد، و غالبًا ما يكون شبهَ
جملةٍ أو جملة إسمية، و من خمسة مقاطع صوتية.
- الثاني.. حدثُ المشهد، و غالبًا ما يكون آنيًّا،
زمنه في الحاضر، للدلالة على الحيوية و الحركة، و تتبُّع عبارات النص، يَضعُ القارئَ
في خضمِّ موجِ المشهد.. يتكون من سبعة مقاطع صوتية.
- الثالث.. حلقةُ الوصل و الربط بين الأول و
الثاني، من خمسة مقاطع.
بَيدَ أن عدد المقاطع الصوتية ليس إلزامًا، تبعًا لاختلاف اللغة المكتوب بها،
و لقوة و ضعف اللغة الحسية القادرة على التعبير المكثف عن مشهد أو صورة جمالية.
يعتمدُ النّصُّ على تكثيف و اختزال اللفظ، دون استعمال محسنات بديعية أو مجاز!
و هو حرٌّ من أعباء البيان و البلاغة. يركّز على لحظات الجمال في الطبيعة و التجارب
المؤثرة؛ كمصدر أساسي للإلهام، يفرض على الشاعر اختيارًا دقيقًا لكل حرف و كلمة،
مع الإحتفاظ بالدهشة و البساطة و الآنيَّة، شرط ضمان تَحَمُّل هذه الكلمات القليلة
معنًىٰ قويا و مميزا لدى القارئ، و صياغتها بأفضل صيغة، مع جملة ختامية تثير اهتمام القارئ..
بل تتركه مندهشًا و عاجزًا عن التعليق
لبُرهةٍ من الزمن.. مع نصٍّ بالغ القصر.
و لا ننسىٰ.. عدم ضرورة و جدوى وجود عنوان للقصيدة،
لانها تتحدث عن نفسها...
أصلُ الموضوع:-
ثَمَّ
نصوصٌ نُشِرَتْ حديثًا، وَجدْتُ فيها- بعدَ الإذن من كاتبتها الإستاذة /
"ثُريّا
الشّمام"-
ما يستحق الٕاحاطة بها
و تقديمها أنموذجًا عن قصيدة الهايكو التي لاقت إقبالًا شديدًا من المتذوّق
و المبدع.. و في صفحات منتديات و روابط و مجموعات
كثيرة.
و قد اِستغرَقْتُ بالكلام عنها كثيرًا، كونها
كانت طَيِّعةً و ليِّنَةً و قريبةً إلى الذّوق المعتاد.. فضلًا عن كونها قريبة إلى
واقع نعيشه بالتفصيل، أبدعتِ الكاتبة في رصده و ألتقطتْ أجمل لحظاته، و كأنها منغمسة
فيه.. فعلًا، لا خيالًا!
التحليلُ...
أولًا.. فكرةُ النصوصِ:-
قارئُ النصوص يَلحظُ خيطًا رفيعًا،
يربطها مع بعض، من حيث مضمون فكرتها - الثِّيمَة
Theme-
بَيَّنَتْ أفعالها بوضوح حالة وجدانية مأساوية.
فحملت أفعالًا آنيِّةً...
(تُغْرِقُ-
تُحَرِّقُ- فِطامٌ- تُجْهِضُ- تَغْتالُ).
فهل ذلك مصادفةً؟
أم انها تعزف على وترِ اليأس و الحزن و الخذلان
في آلةٍ موسيقيةٍ صُنِعَتْ بالتحديد لهذا الحال؟!
النصُّ الأول:-
بِلا شِطآنٍ-
تُغْرِقُ مَراكِبَ حَنِينٍ...
دَمْعَةٌ حَرَّىٰ!
(ثريا الشمام)
............
دمعةٌ
فاضتْ و أغرقت مراكب حنين! وهي قطعًا عَرضٌ لمشهدٍ أليمٍ، نَقلَ لنا حدثًا يتكررُ،
و لا أملَ في وضع نهايةٍ له.
نلمسهُ في غرق مراكب المهاجرين في أعالي البحار، و تحوّل
ركابها إلى طُعمٍ مُستساغٍ للكواسج و الحيتان!
النصُّ الثاني:-
فُؤادٌ-
تُحَرِّقُهُ لَوعَةُ ٱلوَتِينِ...
صَرَاخاتُ طِفْلَةٍ!
(ثريا...)
...........
الوتينُ.. عِرْقٌ متعلقٌ بالقلب، و هو كنهرٍ للجسد، يعتمدُ عليه في تغذيته بالدَّم.
{ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} ( الحاقة-
46)
فإذا أَلَمَّ به ألَمٌ و لوعةٌ.. انعكس سلبًا
على القلب، و حرَّقتهُ آلامُهُ! و إذا اِنقطع.. مات صاحبُهُ!
هنا.. صرخةُ طفلةٍ تُشعِلُ الوتينَ و تقطّعُ
نياطَ القلب.
النصُّ الثالث:-
دُونَ كَلامٍ-
فِطَامُ ٱلسِّنِينِ...
خِذْلَانُ أُمٍّ!
(ثريا...)
..............
رُبَّما
تُصابُ الأمُّ بالخذلان بعد فطام رضيعها، و اِبتعاد فَلذَّةِ كبدِها.. عنها!
و على الرّغم أن الرضيعَ يبدأُ بتنويع مصادر
غذائه- و هذا شيء حَسِنٌ و لا مَنْدُوحَةَ منه- لكن الأم بحاجة إلى صبرٍ و إمكانية
اِستيعاب ظروف مرحلة فطام طفلها.
هذا.. الفطامُ الطبيعي...
ماذا
عن أسوأ أنواع الفطام، الذي يفاجئ الأُم و الرضيع على حدٍّ سواء؟
فالنصُّ تكلم عن فطام السِّنين، الذي يذيقُ الطرفين
مُرَّ العذاب و الهَلاك!
فلا كلامَ إذا وقع، و لا حالَ يَسرُّ!
و قد
تكون الحرب، و ما تفعله في الإنسان.. هي السبب في ذلك!
النصُّ الرابع:-
مِثْلُ وَردَةٍ حَمْراءَ-
تُجْهَضُ ٱلأُمْنِياتُ دَوْمًا...
عِيدٌ بِلا لِقاءِ!
(ثريا...)
.........
الوردةُ هِبَةٌ للانسان، تبعثُ السكينةَ
و الهدوءَ في القلوب، تَجلبُ له راحةَ النفس
و الطمأنينة، و تبثُّ الأمل.
و هي على مسافةٍ واحدة بين العقل
و الوجدان، تُحاكيهُما برقةٍ و رومانسية و شفافية
و عطرٍ فوّاح...
لكن.. لماذا الحمراءُ تحديدًا؟
يُقالُ.. إنها رسالةٌ بين اثنين مضمونها
( أُحُبُّكَ.. مِن كُلِّ قَلبي!)
بمعنى.. إنَّها ترمزُ إلى الحُبِّ الحقيقي
و الجمال، و بحسب درجات لونها الذي يتدرج بين
القاتمِ و الفاقعِ و الناري...
وجميعهم يرمزون إلى رغبةٍ في الحُبِّ عميقةٍ
أو خدّاعةٍ أو ملتهبةٍ!
أمّا النصُّ فلهُ إضافةٌ أخرى...
الأمنيةُ هي: حديثُ النفس و مبتغاها،
و الرغبةُ
في حدوث شيء محبوب...
و جَمعُ أمنية = أمنيات أو أماني...
شُبِّهَتِ الأمنياتُ و هي تُجْهَضُ قبل ولادتها،
بالوردةِ الحمراء التي تُقطعُ لمناسبةٍ بين متحابِّين.. بَيْدَ أنها لن تَصلَ رسالتُها،
لانعدامِ أمنيةِ اللّقاءِ!
النصُّ الخامس:-
سِرٌّ صَغِيرٌ-
يَغْتالُ لَيْلِي...
ما أَكْبَرَ ٱلأَحْلَامِ!
(ثريا...)
.........
تحوَّلتِ الكاتبةُ بهذا النَّصِّ من الأشياء و مُحاكاتها في النصوص السابقة..
إلى أنسنةِ نَصِّها الأخير، و قَيَّدَتِ الإنسان كمحورٍ لتفسير مواقفٍ حياتية.
اِهتمّتْ بمصيره، و اَستجابتْ لحاجاته و طموحاته،
و باغتت المُتلقي بوجود
(سِرٍّ صَغيرٍ) يَغْتالُ أنسانيتها، إن لم
يَتحققْ لها، و يتركها معلقةً خارج الزمان
و المكان. سِرٌّ صغيرٌ هو بمثابة قِشَّةٍ تَقصمُ ظَهرَ بعيرٍ!! و يَحدثُ أثرًا كبيرًا
ليس بذاته فقط، بل يأتي بعد تراكم أحداثٍ جَمَّةٍ، لا تُحتَملُ، اذا أُغْتِيلتْ طموحاتُ
و أحلامُ ذلك الإنسان.
و لِرُبَّما يَندرجُ ضمنَ أسرارٍ تُسْعِدُ حياتَهُ، لو تحقق
َ في مناماته و سَكناتهِ، و مستعدٌّ أن يعيشَ العمرَ على حافةِ انتظارٍ، تُشرفُ على
مُنحدرٍ سَحيقٍ، لا تتجاوزُ موطئَ قَدمٍ بُغيةَ تحقيقُ ذلك الحُلْمَ/السِّرَّ الصَّغير!
ثانيًا.. فنيةُ النصوص:-
اِلتزمتِ النصوصُ بقواعد- إذا صَحَّ التعبيرُ- كتابة نصِّ الهايكو.
فابتدأت بوصف الحال بعبارة، تصنيفها اللّغوي
(شبهُ جملةٍ أو جملةٌ اسميةٌ) هَيَّأتِ القارئ إلى حدثٍ آنيٍّ لمشهدِ لحظةٍ اِقتنصَتْها
(الهايكوست) و نقلتها بشفافية و بأقل كلمات، استوعبت مشهد حسّي بدقةٍ و حرفية، و تكثيف
فاقَ التصور الاعتيادي.
و من نافلة القول نؤكد:-
قوةُ النصوصِ تمثلت بحلقات وصلٍ متينة، جاءت
قصيرةً من كلمتين، ربطت الوصفُ بالحدث الآني.
ثالثًا.. بناءُ النصوص:-
لم تتجاوز كلمات كل نص على حِدَتِهِ ست مفردات، تماسكت مع بعض بنسيجٍ متقن و
سلس، باسلوب سهل و معنًى مفهوم، خالٍ من الرّمزية و التشبيه و لم يُكْتَبْ لغرض التفاخر
بكلماتٍ رنّانة أو قاموسية!
اِتخذَ
علاماتِ التنقيط أنوارًا كاشفةً، لتسهيل قراءة النص و فهمه.
السطرُ الاول- انتهى بـ ( - ) الشرطة او الوصلة،
للانتقال إلى الحدث الأساس.
السطر الثاني- انتهى بـ ( ... ) علامة حذف ما
لا يُرادُ تكراره، أو لعدم الحاجة إلى ذِكر المزيد.
السطرُ الثالث- انتهى بـ ( ! )علامة التعجب لانه
يحمل جملة اندهاش و تعجب، تثير حفيظة القارئ، و تؤثر فيه، و هي علامة انفعال الكاتب
لإيصال مشاعره و للتعبير عن الحزن أو الفرح أو التعجب. و استُعملت بهدف انتهاء معنى،
أو بيان علاقة بين الجمل و ايصال شعور الكاتب.
أخيرًا...
إنَّ
التوافقات الوجدانية بيننا كبشر، تقوّي اللُّحمة و تزيد التعاطف فيما بيننا.
فالقصيدة أو القصة في مستوياتها الإبداعية،
تنمو و تترعرع اليوم على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، و هي بحاجة إلى تقويم و توجيه مسؤول.
بحاجة إلى
دعم متواصل يرفعُ مستويات تراكم أعدادِ المنشورات الإبداعية، ممّا يَكفلُ حتمًا تحوّل
الكَمُّ إلى كَيفٍ!
و نحن بأمس الحاجة للإثنين في وقتنا الحاضر،
و بالحدِّ الأدنى، لان الثقافة على وجه الخصوص تواجه هجمات متتالية و مؤذية من سياسيي
السلطة و من أيدٍ خفيّةٍ و بدفعٍ خارجي.
نأملُ أن نرى ذلك من خلال متابعتنا الحثيثة
لما يَنشرهُ الأصدقاءُ و غير الأصدقاءِ...
مع
أجمل التحيات...
..........
(صاحب ساجت/العراق)
في أدناه النصوص موضوعة القراءة:-
بِلا شِطآنٍ-
تُغْرِقُ مَراكِبَ حَنِينٍ...
دَمْعَةٌ حَرَّىٰ!
.............
فُؤادٌ-
تُحَرِّقُهُ لَوعَةُ ٱلوَتِينِ...
صَرَاخاتُ طِفْلَةٍ!
..................
دُونَ كَلامٍ-
فِطَامُ ٱلسِّنِينِ...
خِذْلَانُ أُمٍّ!
......................
مِثْلُ وَردَةٍ حَمْراءَ-
تُجْهَضُ ٱلأُمْنِياتُ دَوْمًا...
عِيدٌ بِلا لِقاءِ!
....................
سِرٌّ صَغِيرٌ-
يَغْتالُ لَيْلِي...
ما أَكْبَرُ ٱلأَحْلَامِ!
(ثريا
الشمام/سوريا)
................